على حافة الطمأنينة، محدقاً في الفراغ.
- 2 hours ago
- 3 min read
ستمر عليك -حتماً- لحظة ما حيث يصبح تماسكك عصي على الامتثال لك. قد تكون لحظة وجيزة وحتى بالكاد تُدرك، أو قد تتمدد لتنخر في عمق ذاتك، كما حدث لي.
تداعيات هذه اللحظة لن تحدث بشكل دراماتيكي بالضرورة، وهذا الأخطر؛ فهي قد تظهر بشكل أكثر هدوءاً وإرباكاً: حيث تفشل الآليات التي لطالما حملتك على متنها واعتدتها لدرجة اليقين. فتجد أن النية عاجزة عن التحول إلى أفعال. والجسد الذي لطالما كان شفافاً في امتثاله لعقلك، يصبح معتماً في انسحابه المحتج. ما كان ينساب بخفة دائماً، يتكشف بوضوح في إعلانه: كل هذا كان مشروطاً، دائماً.
وهنا قد لا تملك -مثلي- أي خيار آخر غير مواجهة احتمالية أن سيطرة الذات المركزية آيلة للتزعزع.
قد يشرح هذا الصدع، ولو جزئياً، ما قاله أنسي الحاج:
التعلق بالقيم الجماعية يمنحك طمأنينة الأخلاق التقليدية وضجرها، والتعلق بالقيم الفردية ينتشلك من رتابة الأولى ويوقعك في الفراغ.
لقد اخترت الفراغ منذ أكثر من عقد من الزمان وتلافيت الطمأنينة -التي خلتها مهينة- وحملت بشغف شعار الذات، ورفعت شعلة سيطرتها المركزية المتفوقة، واعتنقت بإخلاص معاني الاكتفاء عن الآخر. لكن عندما وقفت وجهاً لوجه أمام حالة انهيار آليات النجاة التي لطالما صفصفتها وهدهدت فزعي بها، أدركت أني بحاجة لإعادة النظر في ما جعلني أؤمن بحتمية أفضلية الفراغ.
لا شك أن هناك مساحة شاسعة لتوتر من نوع أو آخر في التصدعات الناشئة بين الطمأنينة والفراغ في وصف أنسي الحاج لهما؛ من جهة لديك طمأنينة الجمع الذي تمنحك توجهاً وبعضاً من يقين وإن كانوا مكلفين لجوهرك، ومن جهة أخرى فراغ الفرد يحررك وفي ذات الوقت يركلك لتتهاوى بلا أرض تحت قدميك.
كلاهما يقدمان شكلاً من أشكال عدم الاستقرار.
في التصور الحديث، ولا سيما في التعبير الغربي، نجد ميلاً لتفضيل الفراغ على الطمأنينة.
ليس بمقدور أي شيء أن يجلب لك السلام إلا نفسك. — ر. و. إيمرسون
في «الاعتماد على الذات» يقدم رالف والدو ايمرسون الفرد باعتباره المصدر الأساسي للحقيقة لا كمهرب من التوتر بل كحل له. فأن يثق المرء بذاته -في رأيه- ليس أحد الخيارات بل هو المنهج، حيث الالتفاف الداخلي يبشّر بالتماسك في مواجهة الضغوطات الخارجية. لذلك فإن خطر الفراغ الفرداني -الذي يخيرنا به أنسي الحاج- لا يحتاج إلى تفادٍ بل إلى احتضان ليكوّن الأرض الضرورية لوقوف الذات الأصيلة عليها.
ومع ذلك، فإن هذا الحل يستند على فرضية مخفية ولكنها محتمة: أن تظل الذات متاحة لنفسها. وأنه يمكن استدعاؤها والاعتماد عليها وتفعيلها بلا أي انقطاعات. أن تصمد آلياتها المادية والمعرفية والوجودية لتسنح الفرصة لتشكل هذه الثقة بالذات.
ذهبت إلى الغابة لكي أختبر حياة أكثر امتلاءًا بالمعنى، لأتملّى في حقائق الحياة الأساسية وحدها، ولأحرص على تعلم مايمكن للحياة أن تعلّمني إياه؛ حتى لا أدرك على فراش موتي أني لم أعش حقاً. — هـ. د. ثورو
وجسّد هنري ديفيد ثورو في «والدن» نسخة أكثر هدوءاً من هذا الاعتقاد. فانعزاله في والدن لم يكن تهاوياً في متاهات الفراغ بل محاولة دقيقة وحريصة للتفاوض معه. حيث أنه لم يسعى إلى رفض الجماعة في عزلته بل إلى الإصغاء إلى الذات الكامنة بوضوح أكثر. ومع ذلك فإن عزلته محدودة، بشروط مختارة ومدة مقننة وقابلة للتراجع في أي وقت. فالذات عنده تُختَبر ولكن ليس بشكل يعرضها لخطر جوهري أبداً.
كلاهما اتجه بطريقته الخاصة إلى الذات كمصدر للحل، أحدهما بشكل حاسم نظرياً والآخر من خلال الممارسة وإن كانت محدودة. ويقبل كل منهما -على طريقته الخاصة- المرور بالفراغ كثمنٍ للوضوح. لكن في اللحظة التي تفقد فيها الذات تماسكها وتفرض تعقيداً مختلفاً للأمور، لا يقدّم أي منهما أي مسار عملي.
عندما ينقطع التوافق بين النية وقدرتها على التحول لأفعال، وحين يرفض الجسد الاستجابة، حين يصمت النظام الذي كان يحملك يوماً، تتوقف الذات وفراغات اختياراتها عن كونها أرضية موثوقة. ولكن الجماعة أيضاً لا تتدخل لسد هذا الخلل. فالطمأنينة التي تمنحها الجماعة تعمل على مبعدة منك وتقدم مقترحاً بنيوياً، لا تدخلاً أو طوق نجاة.
إذا ما يصبح حتمياً هو ليس خيار التمسك بطمانينة الجماعة أو تقبل فراغات الفردانية، بل انكشاف لمحدودية كل من الخيارين وضرورة البحث عن شيء ما بينهما.



Comments